محمد متولي الشعراوي

9060

تفسير الشعراوي

إذن : فهذا الأمر لا يحكمه إلا إرادة المكوِّن سبحانه . فالآية للناس في إنْ يعلموا طلاقة قدرته تعالى في الخَلْق ، وأنها غير خاضعة للأسباب ، وليستْ عملية ميكانيكية ، بل إرادة للخالق سبحانه أن يريد أو لا يريد . لكن ، أكانتْ الآية في خَلْق عيسى عليه السلام أَمْ في أمه ؟ كان من الممكن أنْ يوجد عيسى من أب وأم ، فالآية إذن في أمه ، إنما هو السبب الأصيل في هذه الآية ؛ لذلك يقول تعالى في آية أخرى : { وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } [ المؤمنون : 50 ] فعيسى ومريم آية واحدة ، وليسا آيتين ؛ لأنهما لا ينفصلان . ثم يقول تعالى : { وَرَحْمَةً مِّنَّا } [ مريم : 21 ] ووجْه الرحمة في خَلْق عيسى عليه السلام على هذه الصورة ، أنه سبحانه يرحم الناس من أنْ يشكُّوا في أن قدرة الله منوطة بالأسباب ومتوقفة عليها ، ولو كان هذا الشكُّ مجرد خاطر ، فإنه لا يجوز ولا يصحّ بالنسبة للخالق سبحانه ، وكأنه تبارك وتعالى يرحمنا من مجرد الخواطر بواقع يؤكد أن طلاقة القدرة تأتي في الخَلْق من شيء ، ومن بعض شيء ، ومن لا شيء . وقوله تعالى : { وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً } [ مريم : 21 ] أي : مسألة منتهية لا تقبل المناقشة ، فإياك أن تناقش في كيفيتها ؛ لأن الكلام عن شيء في المستقبل إنْ كان من متكلم لا يملك إنفاذ ما يقول فيمكن ألاَّ يتم مراده لأيِّ سبب من الأسباب كأن تقول : سأفعل غداً كذا وكذا ، ويأتي غد ويحول بينك وبين ما تريد أشياء كثيرة ربما تكون خارجة عن إرادتك ، إذن : فأنت لا تملك كُلَّ عناصر الفعل .